بقلم ✍ مرام البشير : سدود إثيوبيا…الإنتحار المؤجل
يوليو/10 | م:1:22 / لا توجد تعليقات / الوسوم: ولاية البحر الأحمر791 viewsبورتسودان: بلادي
• بعد مرور أربعة عشر عاماً من الإعلان عنه والبدء في أعمال تشييده اكتمل سد النهضة الإثيوبي وسيتم إفتتاحه وتشغيله في سبتمبر القادم ؛ هيمنة مائية وتهديد للأمن القومي المصري هكذا كان رد القاهرة على إجراءات السد مُنذ النوايا الأولى لقيامه ثم إزدادت وتيرة التصعيد بعد تعطل لغة الحوار وإنقطاع التواصل بين الدول الثلاثة.
• أما السودان فالحكومة لم تكلف نفسها عناء الرد على هذه الدعوة وهذا يمكن إرجاعه إلى الإرباك الذي حدث بعد تجفيف وزارة الري والموارد المائية وتفريق دمها بين الوزارات، غياب هذه الوزارة المهمة وإنشغال السودان طوال العامين السابقين بحربه ضد المليشيا المتمردة أتاح الفرصة لإثيوبيا بالإسراع في خطوات الملء الأحادية والبدء في التشغيل دون وجود أى لجنة مشتركة ثلاثية تراقب وتقييم ماتقوم به أديس أبابا.
• ومن الواضح أن إثيوبيا لن تكتفي بهذا السد الذي ساهم في إشعال حرب باردة بين القاهرة وأديس أبابا منذ تأسيسه ولكنها تنوي التمادي أكثر في تأجيجها ؛ آبي أحمد عندما قدم الدعوة للبرهان والسيسي بحضور الإفتتاح أعلن عزمه إقامة ثلاثة سدود جديدة بسعة تخزينية ٢٠٠ مليار متر مكعب ناهيك عن ال ٦٠ مليار متر مكعب التي يحتجزها سد النهضة، والأسئلة التي تطرح نفسها ما الذي سيتبقي لدول المصب من مياه النيل الأزرق إذا ما صدقت إثيوبيا في مساعيها مع العلم أن النيل تعرض لجفاف كبير خلال السنتين التي بدأت فيهما إثيوبيا الملء والتخزين؟ هل بحيرة تانا والنيل الذي ينبع منها أصبحا من ممتلكات الحكومة الأثيوبية تتصرف فيهما حيث تشاء؟
• للإجابة على هذه التساؤلات لابد لنا أن نعي أن أديس أبابا بعد تجربة سد النهضة أكتسبت مناعة دبلوماسية وسياسية ضد الآخرين خاصة وأن سدها الذي تعتبره إنجازاً عظيماً قام على أنقاض معارضة شرسة من عدة دول على رأسها مصر بيد أن السودان رغم رفضه لهذه الإجراءات الأحادية إلا أنه كان حلقة الوصل بين الطرفين وبقيام الحرب غاب هذا الدور الكبير مما جعل إثيوبيا تصر على إكمال السد وتشغيله رغم أنف الجميع.
• أنتهجت إثيوبيا سياسة المراوغة السياسية مع كل الأطراف بجانب التعنت الشديد الذي كان له دور بارز في بسط سيطرتها الكاملة على كافة إجراءات بناء السد ، كما أن التحالفات الخارجية المتعددة المحاور لآبي أحمد دعمت كثيراً من وجهة نظره حول مشروعه المفضل وكانت بمثابة الضوء الأخضر لفعل مايحلو له بخصوص التحكم بمصير دولتي المصب ، فعدم مشاركتهما بيانات التشغيل وحرمانهما من حق الحفاظ على حصتهما المائية ومنعهما من الإستعداد المبكر لما قد ينتج من عواقب أثناء تشغيل السد جعل الأوضاع أكثر تعقيداً.
• هذه التجربة التى تعتبرها إثيوبيا تجربة تاريخية مقدسة لتحقيقها حلم الأجداد بإعتبار أن السد هو حلم الإمبراطور الأول “هيلاسيلاسي” قد تكون هي السبب في فتح شهية أديس أبابا لمزيد من السدود الإضافية على أراضيها بغض النظر عن مصلحة الآخرين ؛ولكن هذه الخطوة المتعجلة ستكون بمثابة إنتحار مؤجل لا يعلم أحد عواقبها المستقبلية ؛ فدول المصب بالتأكيد لن تسمح بخنقها مائياً وتهديد أمنها القومي والخيارات ستكون مفتوحة على مصراعيها ولا أستبعد قيام حرب إقليمية بسبب هذه السدود الجديدة إذا ما أصرت إثيوبيا على بناءها.
• وفي ذات الوقت وبالنظر عميقاً في هذه الدوافع الجديدة لبناء سدود إضافية وربطها بما يحدث في الداخل الإثيوبي نجد أن الدولة الحبيسة قد لا تلجأ لهذا الخيار الإنتحاري خاصة بعد خفقان نجم الدعم الأمريكي لها فترامب في تغريدة مثيرة للجدل وصف الديمقراطيين بالغباء لأنهم دعموا بناء هذا السد الذي قال أنه سيقلل من مياه النيل ، على جانب آخر فأن آبي أحمد نفسه يعلم بأن العالم ليس بحاجة لمزيد من الحروب والإقتتال وهذا ماذكره بنفسه في خطابه أمام مجلس النواب في الثالث من يوليو الجاري وأستشهد في حديثه بحرب السودان التي لم تجد رواجاً كافياً للإسراع بوقفها، لذلك من المرجح أن يلعب بورقة السدود سياسياً من أجل تحقيق أهداف إستراتيجية أسمى وأعمق ؛ فيمكنه أن يتنازل عن هذه السدود إذا ما تحقق هدفه الإستراتيجي وهو الوصول لمنفذ مائي دائم يطل على البحر الأحمر.
• لذلك في إعتقادي أن هذه الرسالة قد تكون موجهة في المقام الأول للقاهرة التي تستخدم سياسة التطويق ضد إثيوبيا منذ وقت طويل فلم تترك لأديس أبابا مجال حيوي تتحرك فيه لتصل للبحر ، زيارة الرئيس الصومالي لمصر في السابع من يوليو الجاري أحد إنعكاسات هذا التطويق المستمر الذي بدأ بتحالفات سياسية ثم تطور لإتفاقات دفاعية مشتركة مع كل من الصومال وارتيريا وجيبوتي وتحالفات قوية مع جنوب السودان وكينيا.
• أما السودان فعلاقته مع مصر إستراتيجية وفي ذات الوقت تمثل إثيوبيا عمقه الإستراتيجي والأمني لذلك من المتوقع أن يكون هو الضامن الوحيد لإستقرار الإقليم في الأعوام المقبلة وهذا بدوره سيزيد من فرص إنهاء الحرب وحسم التمرد في أسرع وقت ممكن لتعود الخرطوم كسابق عهدها لاعبة للأدوار الفاعلة والمؤثرة وراعية لإتفاقات السلام بين الفرقاء الأفارقة.
اللهم_برداً_وسلاماً_على_السود
