حرب تصادم النفوذ…مرحلة تدشين الحلف الجديد
يناير/13 | ص:11:08 / لا توجد تعليقات 381 viewsحرب تصادم النفوذ…مرحلة تدشين الحلف الجديد
بقلم ✍ مرام البشير
• من المعلوم أن أحداث مثيرة ومتسارعة باتت تعصف بالمشهد الإقليمي منذ نهاية العام الماضي وحتى بداية العام الجديد فوتيرة التصعيد اليومي للتطورات تجعل من الصعب فهمها أو تفسيرها أو التنبوء بأحداثها ،
• رواد المدرسة الواقعية في التحليل السياسي يدركون أن هناك وقائع مركزية تدور هذه الأحداث في فلكها وفي إعتقادي الصراع المتصاعد بين المعسكرين الشرقي والغربي في العالم يمثل أحد هذه المركزيات لاسيما وأن العالم يتهيأ للجولات الأخيرة من الصراع الذي سيغير نظرية القطب الواحد خاصة بعد إعلان الصين لعام ٢٠٢٧م عاماً لإسترجاع تايوان ، أما إذا ما إكتملت الخطط الغربية للسيطرة على النفوذ البحري خاصة باب المندب وممر الكيب في جنوب إفريقيا وممر هرمز في آسيا قد نشهد تسارع في عقارب ساعة الصدام بين المعسكرين وبذلك تكون امريكا قد تغدت بالصين قبل أن تتعشى بها.
• سأكتفي اليوم بمحاولة تفسير ما يحدث في باب المندب هذه الجبهة التي أشتدت وتيرة الصراع فيها ، فعلى مر التاريخ ظل تداخل النفوذ الدولي والإقليمي يخيم على المشهد في المضيق لكن من المرجح أن الحقيقة المحورية التي تنطلق منها التحركات تتمثل في إضعاف جماعة الحوثي المدعومة إيرانياً وتحييد نشاطها في تلك المنطقة الحرجة.
• لا تكمّن خطورة الحوثي في علاقاته مع طهران ومحور المقاومة فقط بل في تشبيكه وتواصله البحري الأكثر تعقيداً مع حركة الشباب الصومالية وحركات القرصنة النشطة في المضيق ، بيد أن تقارير كثيرة رَصدت تلقيهم تدريبات عسكرية مشتركة في الصومال تحت إشراف سري من القاعدة الصينية في جيبوتي وبتسهيل مباشر من وسطاء روس مما شَكل تهديداً كبيراً لأمريكا وحلفاءها في المضيق خاصة إذا ما إندلعت حرب ثانية على إيران.
• ناهيك عن التقنيات العسكرية المتطورة التي أصبحت تمتلكها تلك الجماعة خاصة بعد السبات الشتوي الذي مرت به عقب توافقها مع امريكا والتي استغلته في تطوير ترسانتها الصاروخية وطائراتها المسيّرة عبر الحمولات الكبيرة للسفن الصينية التي رُصدت عبر الأقمار الصناعية تعبر المضيق بكثافة.
• في إعتقادي تل ابيب اضُطرت للإعتراف بأرض الصومال مُرغمة في محاولة لقطع هذه الحبال المتينة بين ضفتي البحر الأحمر “اليمن والصومال” ومراقبة سلاسل الإمداد الصينية للحوثيين ، في ظل تراجع امريكي في المشهد ودخول لاعبين جدد بالإنابة، كما تدرك إسرائيل أن أى مغامرة أخري مع إيران قد تُكلفها الكثير من ناحية اليمن.
• ايضا التوسع التركي في الصومال ضمن عقيدة الوطن الأزرق التركية والتي يبدو أنها أمتدت من شرق المتوسط لتشمل حوض البحر الأحمر وسواحل غرب افريقيا ، جعلت إسرائيل تتحرك بسرعة نحو أرض الصومال لردع النفوذ التركي بجانب تحالفها النشط مع اليونان وقبرص لردع تركيا في شرق المتوسط.
• تواصل تل أبيب مع هرجيسا قد يعبر عن مخاوف سابقة لإسرائيل من الوجود المصري الذي يهدد مخططات اثيوبيا في غزو إرتريا ، ثم يأتي التغلغل التركي ليزيد الطين بِلة بالنسبة لإسرائيل لذلك في إعتقادي دخول الرياض على الخط وحضورها العسكري في اليمن والصومال قد يهدئ من حدة هذه المخاوف بشأن التواجد التركي المصري في المضيق ويعيد التوازنات الجيوسياسية في ظل انحسار للدور الإماراتي والذي سأتحدث عن أسبابه لاحقاً ، خاصة أن المملكة تتمتع بعلاقات قوية مع الصين وأمريكا في نفس الوقت وتعتبر قوة اقليمية غير منحازة بشكل صارخ للتجاذبات الإقليمية وتتمتع بتوازن في علاقاتها الخارجيه وتملك من القدسية لدى المسلمين ما يجعلها ذات نفوذ معتدل ومقبول في العالم الإسلامي.
• إن مراحل الخطة الأمريكية للحد من النفوذ الصيني في باب المندب تتضمن أيضا خروج أبوظبي من الحلف الأمريكي الذي تشكل هناك وذلك لإعتبارات كثيرة أهمها تصادم مشروع أبوظبي التوسعي مع مصالح دول الحلف الجديد ، بالإضافة إلى أن تقاربها المتصاعد مع بكين يعكس توتر علاقتها مع واشنطن.
• على الرغم من أن القلق الأمريكي بشأن الأنشطة الصينية في الإمارات كان قديماً وحصلت أبوظبي على تحذيرات بشأنه عدة مرات إلا أن ظهوره بشكل علني في تسريب الوثائق الاستخبارتية عبر منصة “ديسكورد” والتي نشرتها صحيفة “واشنطن بوست” في أواخر ٢٠٢٣م موثقةً بالتفاصيل يُعرض النشاطات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط للخطر، غير أن هذا التقارب في مجالات حساسة كشبكات الجيل الخامس والتعاون العسكري و”المشروع 141″ الصيني داخل الإمارات أدى إلى عرقلة صفقات مهمة مع أبوظبي بسبب مخاوف واشنطن من التجسس التقني.
• إن ما يجري بخصوص التحرك السعودي تجاه إستلام الدفة الإقليمية والسعي لتكوين حلف اسلامي قوي يشمل قوى اقليمية كبرى كتركيا وباكستان ومصر يجعلنا نفهم أن ورقة أبوظبي قد احترقت تماماً وأن الرياض أصبحت الشريك الأقوى والأمثل لأمريكا لتأمين المضيق وحوض البحر الأحمر عن طريق السيطرة الكاملة على سواحل جنوب اليمن بالإضافة للتواجد العسكري في الصومال بجانب تركيا ومصر.
• وبالتأكيد شروط الرياض للقيام بهذه الأدوار الكبيرة قد يحتم على واشنطن دفع أثمان باهظة على رأسها إعادة إحياء لرؤيتها تجاه الدويلات العربية الصغيرة بعد حرب الخليج الثانية والتي شرحها المحلل السياسي (آرون كاتس) التابع لوكالة الإستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) في ندوة لمجلس العلاقات الخارجية الأمريكي في نيويورك عام ١٩٩٢م ،
• توقع آرون أن هذه الدويلات الصغيرة ستندمج في ثلاث دول كبرى بحلول عام ٢٠٢٠-٢٠٢٥م السعودية، عُمان، واليمن بحيث تنضم قطر والبحرين للسعودية والكويت للعراق، بينما تنضم الإمارات لعُمان بإعتبارها إمتداداً للساحل العماني.
• وعلى الرغم من كون هذه التوقعات كانت تمثل تحليلاً استشرافياً إلا أنها اليوم قد تصلح لتفسير جدير بالثقة لما يحدث من تطورات تُنذر بأن الحروب القادمة قد تلقي بظلالها على خريطة الخليج العربي المألوفة، خاصة بعد تجلي التحالف السعودي العمّاني في مواجهة الإتحاد الإماراتي البحريني مؤخراً بإعتبار أن مسقط والمنامة كانتا منخرطتان في الصراع اليمني بصورة أعمق مما يجعلنا ندرك أن التحركات السعودية المدعومة من عمّان في اليمن أكبر من كونها ردود أفعال لتموضعات المجلس الإنتقالي الجنوبي هناك.
• هذا الحديث يبقى مجرد تحليل يمكن مناقشته والرد عليه ، وعدم الجزم بحدوثه يتوقف على متغيرات الأحداث التي تؤثر على الإقليم ولكن بالنسبة للسودان يبدو إنه إنخرط فعلياً في هذا الحلف الجديد الذي تقوده الرياض، أحد أهم أهداف هذا الحلف القضاء الكامل على الدور الإقليمي لأبوظبي واستبداله بمشروع أوسع وأقوي يضمن سلامة الإقليم نسبياً ويحافظ على سلامة طرق الملاحة الحيوية في حالة إندلاع حروب في الجوار القريب للشرق الأوسط.
• اخيراً اعتقد أن الحكومة السودانية درست هذه التغييرات بصورة تفصيلية وتحاول الإستفادة القصوى من هذا الحلف الجديد ليس لأنه أعاد تعريف مفهوم الحرب من جديد بل لأنه سيضمن أمن واستقرار السودان بصورة عادلة تضمن في المقام الأول فتح نوافذ كثيرة للجيش السوداني لإمتلاك قوة الردع العسكري التي ستعزز بقوة سيادة ومكانة السودان في الاقليم.
اللهم برداً وسلاماً على السودان
مرام البشير ١٣ يناير ٢٠٢٥م.
