إسماعيل محمود يكتب: السودان وروسيا… شراكةٌ تتجاوز الحرب نحو إستراتيجية متينة.
أكتوبر/21 | م:2:47 / لا توجد تعليقات 93 views(مسارات)
السودان وروسيا… شراكةٌ تتجاوز الحرب نحو إستراتيجية متينة.
بقلم : إسماعيل محمود
أرى أنه لا يخفى على أحد من المتابعين لمسارات المشهد ان التحولاتِ المتسارعةَ التي يشهدها العالم بالضرورة.. تجعل السودانَ كغيره من الدول ذات السيادة ، يعيد رسمَ ملامح علاقاته الدولية على نحوٍ يعكسُ فهماً أعمق لمقتضياتِ المرحلة وتحدياتها المتجددة.. فالشراكة التي تتشكل اليوم بين الخرطوم وموسكو ليست وليدة ظرفٍ طارئٍ أو استجابة لاحتياجات الحرب، بل هي خطوة استراتيجية في طريق بناء علاقة طويلة الأمد، قائمة على المصالح المتبادلة والرؤية المشتركة لمستقبل أكثر توازناً في النظام الدولي.
إعلان الحكومة السودانية عن مشاريعَ مشتركةٍ مع روسيا لتحديث قطاع الطاقة والبنية التحتية الصناعية، يشكل دليلاً عملياً على هذا التوجه الذكي إذ تشارك شركات روسية كبرى – منها “غازبروم” – في تطوير محطات الطاقة الكهرومائية، وشبكات الكهرباء، وحقول النفط، بما يسهم في رفع القدرة الإنتاجية للطاقة بنسبة تصل إلى 30%، ويدعم جهود إعادة الإعمار بعد الحرب المرهقة ِ المفروضةِ على السودان منذ منتصف أبريل 2023.
لكن الأهم من ذلك، أن هذا التعاون لا يمكن اختزاله في بعدٍ اقتصادي أو ميداني. فالعلاقة مع موسكو تمثل بالنسبة للسودانيين نافذة استراتيجية نحو الشرق وتعبيراً عن إرادةٍ وطنية في تنويع الشركاء وكسر أحادية الاعتماد على الغرب، الذي ظل لعقود طويلة يعمل على فرضِ وصايته السياسية والاقتصادية على الخرطوم، دون أن يقدّم حلولاً حقيقية لمشكلاتها التنموية.
خائبة أفكارُ الذين يروّجون لفريةِ أن التعاونَ مع روسيا سيطيل أمد الحر..فهم يقلبون الحقائق رأساً على عقب، فروسيا لا تأتي إلى السودان كطرف في النزاع، بل كشريك في الإعمارِ والتنمية ونقلِ الخبرات….. ومن يربط بين هذه الشراكة واستمرار الحرب، إنما يردّدُ خطاباً سياسياً خاوياً، يهدف لإجهاض أي محاولة جادة لبناء علاقات متوازنة تحفظ للسودان استقلاله وكرامته.
السودان يدرك أن التحولات العالمية تمضي نحو نظام متعدد الأقطاب، وأن بناء تحالفات استراتيجية مع قوى كروسيا والصين هو الخيار الطبيعي لدولة تسعى بجدٍ لترسيخ سيادتها، والحفاظ على قرارها من ضغوط المحاور الغربية التي تريد أن تبتلع المنطقة بأسرها.. وما يجري اليوم هو بداية لتأسيس محور تعاون شرقي.. سوداني، يضع أسس شراكة تقوم على التكامل في المصالح لا على التبعية السياسية.
في المحصلة، فإن ما يربط الخرطوم بموسكو ليس مجرد تعاون ظرفي تفرضه الحرب، بل رؤية استراتيجية لبناء مستقبل تتوازن فيه العلاقات الدولية، ويتحقق فيه للسودان حقه في التنمية، وحرية قراره الوطني، وشراكته في عالم لا تهيمن عليه قوة واحدة.
