فضيحة إبستين…النموذج التحذيري الأبلغ؟
فبراير/16 | م:10:46 / لا توجد تعليقات 203 viewsفضيحة إبستين…النموذج التحذيري الأبلغ؟
بقلم ✍ مرام البشير
• مازالت قضية “جزيرة إبستين” تتصدر التايم لاين العالمي كأول قضية تهز النخبة الحاكمة في واشنطن وتشكك في قابليتها للتماسك أكثر في وجه عواصف من الفضائح المتتالية ،
• ورغم أن التاريخ الأمريكي حافل بمثل هذه الفضائح المشهورة والتي قُدمت استقالات رؤساء على إثرها كفضيحة ووترغيت والتستّر الحكومي عليها والتي كانت سببًا في استقالة الرئيس ريتشارد نيكسون في ١٩٧٤م.
• وكذلك فضيحة “إيران كونترا” صفقة بيع السلاح السرية لإيران والتي رُبطت بتمويل متمردي الكونترا في نيكاراغوا ١٩٨٥م ثم فضيحة الرئيس كلينتون مع المتدربة مونيكا لوينسكي ١٩٩٦م وإنكاره العلاقة بينهما علنًا ثم اعترافه لاحقًا مما أدى لعزله في ١٩٩٨م ، ثم فضيحة سجن أبو غريب ٢٠٠٤م وفضائح سنودن والوثائق المسربة من وكالة الأمن القومي وغيرها من الفضائح التي هزت المجتمع الأمريكي؛
• على الرغم من كل تلك الفضائح إلا أن فضيحة جزيرة إبستين تعد الاضخم من حيث التأثير وتوجيه السياسة الدولية لأنها كشفت كيف يمكن للتحكم المالي والابتزاز الجنسي أن يتحولا إلى أدوات استراتيجية لتوجيه السياسة الدولية والتأثير في موازين القوى في مناطق النزاع ،
• بالاضافة إلى أنها تعكس البعد الأمني والاستخباراتي بصورة أكثر خصوصية لدخولها ضمن نطاق “النشاط الهدّام عالى الإحترافية” والذي يُعرف في عالم المخابرات بعمليات التأثير غير المشروعة على السياسيين أو أصحاب النفوذ، فرحلة تحول معلّم مدرسة فاشل من دون شهادة جامعية إلى قطب في قطاع المصارف والتمويل والأعمال وأحد رموز “النُّخبة” الأميركية والعالمية تحتاج للتمعن والنظر فهي لم تكن رحلة اجتهاد شخصي وإنما كانت عملية أمنية وخطة إستخباراتية تستحق الدراسة والبحث.
• لا يهمني في هذا المقال من تم فضحه أو من لم تناله الفضيحة ؟ فثلاثة مليون ملف نشرتها وزارة العدل الأمريكية تكفي لذلك ، كما لا تشدني الجرائم التي مُورست في الجزيرة لأنني اعتقد أنها صُممت لتُمثل عوامل جذب أكثر للرأي العام لأنه في عالم الدراما الهوليودية التي يعتنقها العقل الأمريكي اللاواعي “كلما كانت الأحداث ذات غرابة وإنحراف كلما كانت أكثر إنتشارًا ورواجًا” ،
• لكن يمكننا دراسة هذه الفضيحة كحالة تكشف ثغرات جمّة في منظومات الحماية والشفافية المحيطة بالشخصيات العامة، على رأسهم قادة الدول والمؤسسات الدولية والإعلامية.
• في هذا المقال سأوضح لماذا تُعد فضيحة إبستين نموذجًا تحذيريًا لكل الدول؟
• إن إسقاط الفكرة العامة لقضية إبستين على مجتمعاتنا ومقارنتها مع مايجري في الأوساط السياسية والثقافية التابعة لدهاليز السلطة هى النظرة الصحيحة التي يجب أن ننظر بها إلى هذه القضية بعيدًا عن مقارنة ماكان يجري في الجزيرة بالتحديد، لا سيما أن الفكرة العامة يمكن تلخيصها في ثلاثة مخاطر أمنية قد تحيط بكل دولة أو نظام حاكم.
• قضية إبستين تحذرنا أولاً من ضعف الرقابة على المصادر المالية للمحيطين بالمسؤولين أو الدوائر الضيقة لعلاقاتهم الإجتماعية ، فمعظم الأجهزة الأمنية تركز على مراقبة أموال وأصول المسؤولين وتتجاهل معارفهم الشخصية وأصدقاءهم المقربين أو بمعنى أصح “الشلة” التي ينتمون لها أو يتواجدون في محيطها ؛ فتلك الشخصيات التي تملك “فيتو” الوصول الإجتماعي أو الشخصي لقيادات سياسية وتقوم بأنشطة خاصة بصحبتهم تحت أغطية مختلفة يمكنها بكل سهولة أن تستخدمها كورقة ضغط مستقبلية على هؤلاء القادة.
• تشديد الرقابة المالية على شخصيات مثل “جيفري ابستين” في كل دولة هو ضرورة تحتمها الظروف والأزمنة فالتجسس اليوم أصبح يتلون بشخصيات ذات ثقل مالي تدعي الوطنية وتتغلغل في أُتون النخب السياسية والإجتماعية بدون أى صفة رسمية أو سياسية وتحت غطاء لا يمكن التشكيك فيه.
• الخطر الثاني الذي تنبهنا له قضية إبستين هو “قابلية الاستغلال والابتزاز” وهنا لا اتحدث عن أذرع ووسائل المخابرات التي تستخدم في تطويع العملاء وتركيعهم ولكن أتحدث عن نفسية وقابلية القائد نفسه للتطويع ،
• لذلك لا يكفي محاربة نشاط هذه الشخصيات وحده بل يجب في المقام الأول إختيار قادة سياسيين لديهم وازع اخلاقي ومهني ، فكيف يمكن أن يتقلد السلطة من كانت سيرته أنه ضعيف أمام المال أو النساء أو المغريات الأخرى بكل أنواعها ، مثل هؤلاء يمثلون عبء على الدولة وأجهزتها لذلك نلاحظ أن نشاط إبستين استهدف الشعوب المستضعفة في الشرق الأوسط وأفريقيا عبر ابتزاز نخبها التي تعاني من ضعف المؤسسية وتئن تحت وطأة الضغوطات السياسية والصراعات العسكرية ؛ فليس غريب لدينا أصرار بعض الجهات على تعين مثل هؤلاء الضعفاء تبعًا لمحاصصات أو إتفاقات سياسية مثل مايحدث في السودان وفي دول كثيرة.
• في هذه الحالة تصبح مهمة الأجهزة الأمنية أصعب وأعقد لأن تحصين قيادات الدولة بحصن نفسي واخلاقي وقيمّي متيّن يحميهم من الانجرار أو الانزلاق وراء المغريات ويقوى نقاط ضعفهم تجاهها يصبح من المستحيلات خاصة وأن الشخصية اساسًا لا يمكن ضبطها أو توجيهها بعيدًا عن المخاطر التي قد تكون لا تراها أو تتجاهل عمدًا رؤيتها وهناك أمثلة كثيرة لهؤلاء القيادات الذين جاءوا إلى السلطة وفق محاصصات واتفاقات تقسيم سلطة واصبحوا في النهاية وبالاً على السودان واجهزته الأمنية والتنفيذية بل أكثر من ذلك عندما جنّدوا شبكات من المتعاونين والعملاء والمخبرين في كل مفاصل الدولة وهو ما سأشير له في الخطر الثالث.
• يتمثل الخطر الثالث الذي تنبهنا له قضية إبستين في استغلال العلاقات الاجتماعية لتحقيق أهداف غير مشروعة من خلال تجنيد الدوائر المغلقة التي تجمع المال ، النفوذ والشهرة والتي قد تفتح المجال لشبكات تعمل خارج نطاق القانون مثل شبكات الفساد المالي والإداري والاخلاقي ،
• يتم تصفية هذه الأعمال غير المشروعة عبر استخدام العمل الخيري كستار حيث كان إبستين عضواً في مجموعة “ميغا” وهي نادٍ سري لمليارديرات مؤيدين لإسرائيل تستخدم فيه “الأعمال الخيرية” كستار لإبرام صفقات سياسية واقتصادية حساسة.
• هذه المرة الخطر يصبح أكثر حساسية إذ يتحول من شخص الى شبكة إجتماعية من الأصحاب والمعارف في مختلف البقاع والمدن وهو بالفعل ما يحدث عندما ترغب دولة معادية في اختراق المجتمع بأطيافه المختلفة فإنها لا تجند عميل واحد بل يصبح لديها شبكة من العملاء في كل مكان ، وتستخدم ذات المغريات في تجنيد هؤلاء العملاء من ضعاف النفوس والأخلاق.
• وهنا يتبادر السؤال الجوهري كيف نستفيد من دروس قضية إبستين لحماية قيادات الدولة والمجتمع، ولكي أوضح أن الهدف من هذا المقال ليس التشكيك في كل من يحيط بالقادة، بل للفت النظر من أجل إنشاء بنية مؤسسية تمنع أصلًا حدوث نقاط ضعف يمكن استغلالها وذلك لا يتم إلا عبر تعزيز التدقيق الأمني على العلاقات الشخصية للقادة ومراقبتها، بجانب تطبيق آليات فحص لكل الذين يقتربون اجتماعيًا أو ماليًا من صانعي القرار مع تقوية إجراءات الشفافية حول السفر، الاجتماعات، الهدايا، والمشاركات في فعاليات خاصة.
• الأمن التقليدي في السابق كان يحمي القادة من الهجمات السياسية والإعلامية لكن الفضائح اليوم قد تدمّر نفوذهم أكثر من أى هجوم تقليدي لذلك لابد من فرق مختصة بالأمن المعلوماتي، الرقمي، والاجتماعي لتدريب القادة وفرقهم على مخاطر الهندسة الاجتماعية وكيفية تجنب الوقوع في مواقف قد تُستخدم لاحقًا للابتزاز.
• أخيرًا ربط فضيحة إبستين بضرورة حماية قادة الدول ليس بهدف توجيه اتهامات بل من أجل استخلاص دروس مؤسسية فالقادة ليسوا معزولين عن المخاطر الاجتماعية، وشبكات النفوذ غير الشفافة التي قد تستغل نقاط ضعفهم الشخصية بطريقة تهدد الأمن القومي.
اللهم برداً وسلاماً على السودان
مرام البشير ١٦ فبراير ٢٠٢٦م.
