إسماعيل محمود يكتب: استمرار العدوان ضد السودان… مع سبق إصرار الدويلة
فبراير/11 | م:4:20 / لا توجد تعليقات 58 viewsمسارات
استمرار العدوان ضد السودان… مع سبق إصرار الدويلة
إسماعيل محمود
لم يكن السودان في تاريخه دولة طاردة ابداً فلقد ظل وطناً مفتوحاً وفياً لكل من ضاقت به أرضه في القارة الإفريقية. استقبل اللاجئين وحمل هموم الجوار، وساند قضايا التحرر دون تردد، حتى صار ملاذاً طبيعياً لكل باحث عن الأمان. هذه ليست رواية إنشائية تطلق بدون براهين.. لكنها خلاصة سلوك دولة اختارت الوقوف إلى جانب محيطها في أصعب الظروف.
غير أن الجزاء لم يأتِ دائماً على قدر هذا العطاء؛ فقد تكررت لحظات انكشاف مؤلمة حين تقدمت الحسابات الضيقة لدى بعض الجيران على مقتضيات حسن الجوار العلاقة مع إثيوبيا تُجسّد هذا التناقض بوضوح لا يقبل الالتباس. فالسودان تعامل معها بعقل الدولة المسؤولة عن استقرار الإقليم، ففتح حدوده للحركة والتجارة، ووضع خبراته في متناول التعاون، وحافظ على قدر عالٍ من ضبط النفس حتى في أوقات التوتر. لكن استضافة معسكرات لتدريب مليشيا التمرد داخل إقليم بني شنقول-قمز بمحاذاة الحدود السودانية تمثل تحولاً خطيراً، ومساً مباشراً بالأمن القومي، لا يمكن تجاوزه أو تبريره.
الأخطر أن هذه المعسكرات تقوم بدعم إماراتي مكشوف، تمويلاً وإعداداً وإسناداً، في مشهد يعكس إصرار أبوظبي على تغذية الحرب وإطالة أمد الخراب في السودان. هذا الدور الخبيث لم يمر دون أن يلفت انتباه دوائر القرار الدولي. فتحذير السيناتور الأمريكي جيمس ريش، رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، جاء بلهجة حاسمة، متحدثاً عن عواقب وخيمة قد تترتب على دعم المليشيا أو توفير منصات لتدريبها. مثل هذا التحذير لا يصدر من فراغ، بل يعكس اتجاهاً متنامياً للتعامل بصرامة مع كل من يسهم في إطالة أمد الحرب وزيادة الانتهاكات ضد السودانيين.
وعند قراءة المشهد في سياقه الأوسع، فإن تلاقي التحذيرات السياسية مع ما كشفته التقارير الاستقصائية يوحي بأن المرحلة المقبلة ستشهد تشدداً أكبر في ملاحقة شبكات التمويل والدعم وفرض عقوبات على الجهات المتورطة، سواء كانت دولاً توفر الغطاء أو أطرافاً تدعم المليشيات مباشرة. وعندها لن يكون مستغرباً أن تجد أبوظبي وأديس أبابا نفسيهما تحت ضغط متصاعد، لأن كلفة الانخراط في تغذية الموت وتصديره للشعوب الأخرى غالباً ما تتجاوز حسابات اللحظة.
ما يحدث اليوم ينبغي أن يبدد أي رهان على ذاكرة المجاملة في العلاقات الدولية. فالدول تُقاس بقدرتها على صون مصالحها حين تتبدل المواقف،… والسودان الذي اعتاد أن يمنح بسخاء، يقف الآن أمام لحظة تفرض قدراً أعلى من الصرامة في تعريف أصدقائه وقراءة محيطه، بعدما أثبتت التجربة أن الأيادي البيضاء لا تكفي وحدها لضمان وفاء الجوار.
