“بعد.. ومسافة” مصطفى أبو العزائم
فبراير/26 | م:6:52 / لا توجد تعليقات 259 viewsالخرطوم 26-02-2020 – إذاعة بلادي
رحيل مبارك
رحل الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك بعد رحلةِ عمرٍ غنيةٍ بالأحداثِ والتحولات التاريخية التي عاشها أو التي أسهم في صناعتها رحمه الله ، منذ أن التحق بالكلية الجوية المصرية في العام 1950م ، والتي تخرج فيها ضابطاً و تدرّج خلال فترة عمله في الرتب العسكرية وترقى إلى أن أصبح رئيساً لأركان حرب القوات الجوية ، ثم قائداً لها في أبريل من العام 1972م في إطار ترتيبات الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات لحرب أكتوبر ، فقد رأى فيه قائداً يمكن أن يحقق ما تريده القيادة العليا ، وبالفعل قاد اللواء طيار محمد حسني السيد مبارك – وهذا اسمه كاملاً – قاد القوات الجوية في حرب اكتوبر 1973م ، وحقق بالضربة الجوية وما تبعها من غطاء جوي للقوات البرية وهي تقتحم سد بارليف في السادس من اكتوبر من العام 1973م الذي صادف اليوم العاشر من رمضان، حقق النصر المصري المؤزر على الجيش الذي لا يهزم كما كان يروج الإسرائيليون لجيشهم ، لكن تلك المقولة سقطت وأسقطت معها حكومة تل أبيب ، بعد حرب الساعات الست ، وذاق الإسرائيليون طعم الهزيمة المر لأول مرة.
لمع نجم “مبارك” وتقدّم الصفوف بالكفاءة والقدرة والإستحقاق فإختاره الرئيس السادات- رحمه الله- عام 1975م نائباً له بعد أن ظل المنصب شاغراً لفترة طويلة، ثم تقلد منصب الرئيس بعد أن تم إغتيال السادات على يد جماعة سلفية إسلامية مصرية في العام 1981م، وتم إختياره بعد استفتاء شعبي ليحكم بعد ذلك بالتجديد في الأعوام 1987م و 1993م، و 1999م، حتى فوزه في إنتخابات عام 2005م التي ووجه فيها بالنقد مثلما ووجه بالنقد النظام الانتخابي وقابلية التجديد للرئيس لأكثر من فترة حسب ما هو منصوص عليه دستورياً.
قابلتُ الرئيس محمد حسني مبارك وجهاً لوجه، وحييته يداً بيد عام 1985م في مطار الخرطوم عندما زار السودان عقب إنتفاضة السادس من أبريل في ذلك العام وكان معي زميلي الأستاذ فتح الرحمن النحاس ، وكنا منتدبَين من صحيفة “الأيام” التي نعمل بها لتغطية الإستقبال والمباحثات التي يجريها مع رئيس المجلس العسكري الانتقالي- وقتها- المشير عبد الرحمن محمد حسن سوار الذهب رحمه الله ، وكان من ضمن مرافقي الرئيس مبارك في تلك الزيارة الفريق كمال حسن علي الذي كان يشغل منصب وزير الخارجية وقتها.
السودانُ كان آمناً، ولم تكن الإجراءات الأمنية بذات التشديد والصرامة الحالية، خاصة بالنسبة لنا نحن معشر الصحفيين والعاملين في مجال الإعلام، وقد سألت الوزير المصري عدة أسئلة أجاب عليها بلا تحفظ، ثم اتجهت وزميلي “النحاس” نحو الرئيس مبارك، الذي استقبلنا ببشاشة سرعان ما إنقلبت غضباً نارياً عندما سأله الأستاذ النحاس عن إمكانية تسليم (النظام المصري) للرئيس نميري لمحاكمته في السودان.
والله.. لقد تبدّلت سحنة الرئيس مبارك وتهدج صوته، وقال بغضبٍ شديد، موجهاً حديثه لكلينا- أنا والنحاس- بأنه لن يسمح لأي شخص مهما كان أن يقول (النظام المصري) لأن مصر دولة الرئاسة فيها ليست مختطفة.. وحديث غاضب جعل أحد كبار المستقبلين يأتي إلينا ويطلب منا بأدب وهدوء أن نبتعد عن دائرة الرئيس.
كان ذلك عقب نجاح إنتفاضة أبريل 1985 وكنا مثل شباب اليوم ثائرين نمتليء حماسة وثورة ، لكنني كنتُ قد شاهدتُ الرئيس مبارك عن قرب أكثر من مرة قبل ذلك التاريخ، من أهمها ترؤسه والرئيس الراحل جعفر نميري إجتماعات برلمان وادي النيل ، سواء في السودان أو مصر ، وقد كنتُ آنذاك محرراً برلمانياً أغطي أعمال مجلس الشعب لصالح صحيفة (الأيام) وشهدت أحد أهم إجتماعات برلمان وادي النيل في مدينة العريش المصرية، وهي عاصمة شمال سيناء، عقب الجلاء الإسرائيلي عنها في أبريل 1982م، إذ انعقدت فيها إحدى جلسات برلمان وادي النيل في أكتوبر من ذات العام، وكان محافظ شمال سيناء آنذاك أحد أبطال حرب أكتوبر 1973م وهو اللواء منير شاش.
رحم الله الرئيس محمد حسني مبارك رحمة واسعة وأدخله فسيح جناته، فقد كان الرجل رمزاً مصرياً عظيماً للبطولة رغم المحاولات المستميتة لإزاحته عن الحكم سواء بالتغييب أو بالثورات المصنوعة.
