حرب الإستخبارات والاقتصاد ….حرب الشرق الأوسط المصيرية!
مارس/06 | ص:2:52 / لا توجد تعليقات 111 viewsحرب الإستخبارات والاقتصاد ….حرب الشرق الأوسط المصيرية!
بقلم ✍️ مرام البشير
• في إنحراف واضح عن عقيدة “الصدمة والرعب ” الليلية التقليدية نفذت امريكا وإسرائيل حملة عسكرية مشتركة في وضح النهار على إيران أطلقت عليها حكومة نتنياهو عملية “الغضب الملحمي” دخلت في أثناء كتابة هذا المقال يومها السادس ومازالت في أوجها.
• هذه الحرب أقل ما يمكن أن توصف بأنها حرب مصيرية ليست دينية كما يعتقدها البعض ولكنها حرب اقتصادية سياسية بإمتياز ويمكن أن نصفها بأنها نقلة نوعية في الحروب الحديثة فهي تمثل خروجًا جذريًا عن إستراتيجيات التحالفات العسكرية المعروفة ،
• العلوم العسكرية المتطورة التي أُستخدمت فيها كانت سمتها البارزة ؛ وزير الخارجية التركي هاكان فيدان ذكر هذه العلوم بوضوح ونصح من لا يملكها بأن لا يدخل حتى في مناوشات كلامية مع امريكا وإسرائيل.
• الإستخبارات السيبرانية وإشارات الاتصالات والإستطلاع الفضائي والتتبع الجوي هى العلوم العسكرية الحديثة المُصممة لتجاوز أنظمة الدفاع المتطورة والتي أُزيل عنها اللثام تمامًا في هذه الحرب؛
• هذه العلوم تملكها حصريا القوى العظمى الصين وامريكا ،بفضلها وصلت الطائرات الإسرائيلية الى داخل غرف نوم القادة الإيرانيين ولعبت دورًا اساسيًا في اغتيالهم ، ويمكننا القول أن هذه التكنولوجيا هي التي سحرت ترامب وفتنته وساقته للدخول في حرب مع طهران،
• طهران التي لطالما تجنب مواجهتها الرؤساء الأمريكيين منذ إندلاع الثورة الإسلامية في ١٩٧٩م واعتبرها الرأي العام الأمريكي “عقدة واشنطن الأزلية ” فهي أكثر دولة أهانت الكبرياء الأمريكي لذلك أُعتبرت على مر السنين “مكروهة الجماهير الغربية” بعد كوريا الشمالية ،رغم ذلك لم يتجرأ أى رئيس أمريكي في الدخول معها في مواجهة مباشرة ليس خوفاً من شيعة إيران ولكن لخصوصية هذه الدولة فهي دولة تملك كل شئ ؛ ما الذي لا تملكه إيران ؟
• في الحقيقة إيران تملك أكثر من مقومات الدولة الشاملة التي نعرفها ؛ لديها ثاني أكبر احتياطات النفط في العالم بعد الصين ونفطها “خفيف ظريف ” لا يحتاج لعناء التكرير والمعالجة، تملك ثروة معدنية مهولة وموقع جغرافي محصن طبيعياً يربط ثلاث قارات والأهم من كل ذلك تتحكم في أكبر مضيق يمكنه خنق العالم من ناحية الطاقة والغذاء وهذا هو ما جعلها هدف مُغري للدول العظمى.
• استهداف واشنطن لإيران هو استهداف اقتصادي سياسي بحت رغم كثرة الأقاويل الدينية حول هذه الحرب ففي اعتقادي هو يصب في خانة صراع المعسكرين الشرقي والغربي، لكن هناك عوامل عجّلت خطوات هذا الصراع المصيري؟
• من منا لا يعرف أن إيران هي “الضراع اليمين” للصين إذا جاز التعبير لذلك إذا أردنا تحليل تداعيات هذه الحرب يجب علينا أن نعرف أن من يقاتل امريكا وإسرائيل في تلك الرقعة الإيرانية ليس الحرس الثوري لوحده بل “العقل الصيني المدبر” والذي يملك علوم حديثة أكثر تطورًا إذن يمكننا أن نستنتج أن كل المراحل التي مرت بها هذه الحرب منذ أن كانت في طور المشادات الكلامية كان لبكين القدح المعلى فيها.
• أول عامل جعل إيران هدف خشن لأمريكا هو بيع طهران نفطها باليوان الصيني فهو ايضا كان السبب وراء اعتقال مادورو والسبب في غزو العراق وايضا السبب في إقتلاع القذافي من بلاطه بطائرات الناتو لأنه فكر في إنشاء عمله الدينار الأفريقي ؛ إذن محاولات إهتزاز عرش البترودولار هي أكبر عوامل هجوم أمريكا على طهران لأنه بالتأكيد يضعضع السيطرة الأمريكية على العالم.
• ثانيا هيمنة بكين على مضيق هرمز أحد أهم العوامل لتعجيل غزو إيران أيضًا وهنا يمكننا استحضار الحروب التي تشنها امريكا مؤخرًا للسيطرة على المضايق المائية ، قناة بنما كانت المستهدف الرئيس من السيطرة على فنزويلا وذلك لأن الشركات الصينية أصبحت تقاسم امريكا في النفوذ على القناة مماجعلها ثاني مستخدم للقناة بعد امريكا.
• السيطرة على ممرات التجارة العالمية يضعف النفوذ الصيني المُتمدد في المنطقة وأكبر نفوذ لبكين في المنطقة هما مضيقا هرمز وباب المندب ؛ سيطرة تركيا والسعودية ومصر “وهي قوى مازالت متحالفة مع امريكا ” على مدخل باب المندب من ناحية سواحل الصومال واليمن قد لا يكفي للحد من نفوذ الجماعات المسلحة التي تدعمها الصين والتي تحد من نفوذ امريكا وإسرائيل واوروبا في باب المندب لذلك تدخلت إسرائيل في أرض الصومال لتحمي هذا النفوذ وتأمن مرور التجارة العالمية من هناك وايضا لكي لا تسلم رقبتها لهذا الثلاثي السني “الرياض انقرة القاهرة ” والذي تعتبره عدوها الثاني بعد إيران.
• لكن بالنسبة لمضيق هرمز فهو الورقة الخاسرة لأمريكا في هذه الحرب فإيران سمحت للسفن الصينية بالعبور بينما أغلقت المضيق أمام السفن الأخرى ، هذه خطوة تفسر إن الحرب المشتعلة في ايران تديرها بكين من وراء الكواليس.
• وهنا يحضرنا سؤال جوهري لماذا استهدفت إيران القواعد والمصالح الأمريكية في الخليج بهذه الشراسة؟ بكل بساطة لأن الصين تأمل أن تحل قواعدها محل القواعد الأمريكية في الخليج وتأمل أن تتطور تحالفتها الاقتصادية مع الخليج إلى تحالفات عسكرية خاصة إذا ما وصل الخليج لقناعة تجعله يجبر امريكا على الخروج من أراضيه وهذا احتمال وارد جدًا ضمن عقيدة أن الحروب والضربات تُكسب الدول مناعة داخلية رغم مرارتها وتجعل التغييرات المستحيلة ممكنة فتقديرات حالة السلم تختلف تمامًا في حالة الحرب.
• لذلك فأن الهجمات على الخليج قد يراها البعض نقمة لكنها قد تكون نعمة في طريق التحرر من وصاية الغير والإعتماد على النفس ، وهو ما قد يصب في صالح تقوية الحلف الجديد الذي تقوده أنقرة والرياض وإسلام آباد والذي شعاره الاعتماد على الموارد الذاتية ومن المرجح أنه يفسر بعض خطوات السعودية السريعة خلال الأشهر الماضية.
• فعلى غير العادة أصبحت الرياض تسابق الرياح لتأمين أراضيها، بدأت هذه الخطوات عندما أبرمت اتفاقية دفاع نووي مع باكستان ثم تبعتها برفع العصا لأبوظبي لتأمين جنوبها الجغرافي مع اليمن ، ثم تلا ذلك خطوات تصعيدية بالنسبة لقضية السودان واريتريا والصومال لتتحول مباشرة انظارها لتركيا التي تم تحذيرها من قبل من التحالف معها رغم ذلك تصر الرياض على إشراك الجنود الأتراك في غزة نكاية في إسرائيل ، وأبرمت أكبر صفقات للسلاح في تاريخها مع تركيا منذ العام ٢٠٢٣م وحتى زيارة أردوغان للرياض فبراير الماضي ، وأبرمت حديثًا صفقة مؤاني مع الصومال حول بوصاصو وبربرة تحسبًا لملء الفراغ الذي قد تتركه أبوظبي بعد مغادرتها؛ بمعنى أدق الرياض كانت تستعد لإستلام قيادة المنطقة مع أنقرة وقد تكون هذه الحرب الإختبار الحقيقي لبروز هذا التحالف الجديد وإثبات قوته الإقليمية والدولية.
• أخيرًا يمكننا القول أن الحرب المشتعلة في الشرق الأوسط والتي ينظر لها الكثيرون على أنها إمتداد لخطط إسرائيل التوسعية ؛ يمكن أن تشكل بين ليلة وضحاها نقطة تحول في مصير الشرق الأوسط أجمع بما فيها ذلك إسرائيل ؛ فالدول التي ما فتئت تدعم إسرائيل طوال الفترة السابقة هاهي اليوم تعيد حساباتها وترفع يدها من يد تل ابيب ؛
• هاهي اذربيجان المتحالفة مع حكومة نتنياهو تقفل أجواءها أمام الطيران الإسرائيلي وتعيد رسم توازناتها مع الطرف الذي يلوح انتصاره من بعيد؟ لذلك يمكننا على ضوء مستجدات الحرب اليومية طرح هذه التساؤلات المصيرية هل تفاجأنا الرياض وتقوم بالتواصل مع الصين لتكف أيدي إيران عن الخليج بشرط خروجه من العباءة الامريكية؟ هل ستسقط دويلات كالإمارات ،البحرين وقطر وتوجه قبلتها للإندماج في الدول الثلاث الكبيرة السعودية وعمان واليمن؟ هل ستتحالف تركيا في اللحظات الأخيرة مع إيران لمواجهة الأكراد وتنحاز تكتيكياً للمعسكر الشرقي؟ ماهو المصير الذي ينتظر محور المقاومة في حالة إنهيار إيران؟ …الخ وغيرها من الأسئلة
• من سيجيب عليها بالتأكيد هو الطرف الذي سيجبر الآخر على إيقاف نيرانه بالقوة ولا شك أنه سيكون المنتصر في نهاية المطاف.
اللهم برداً وسلاماً على السودان
مرام البشير ٦ مارس ٢٠٢٦م.
