حرب الإقليم….الضوء الأخضر الأمريكي
ديسمبر/22 | م:4:26 / لا توجد تعليقات 422 viewsحرب الإقليم….الضوء الأخضر الأمريكي
بقلم ✍ مرام البشير
• لا شك أن المتابعين لملف الحرب في السودان يلاحظون مؤخراً أن الحرب المشتعلة مايقارب ثلاث سنوات لم تعد تخص السودانيين وحدهم بل أصبحت تتعدى شعوب الجوار لتصل كل شعوب المنطقة والإقليم بحكوماته المختلفة ، لذلك يشوب هذه الحرب كثير من التقاطعات والتداخلات التي تُصعّب من فهم مايجري على ساحتها السياسية والعسكرية.
• بيد أن محاولة تحليل مايجري بصورة مبسطة وفق المستجدات والتطورات يعد من أصعب المهمات للباحثين والصحفيين في ظل تكتم من الجهات الرسمية وتشتيت متعمد يعتري الرأي العام ، على الرغم من ذلك هناك مؤشرات كثيرة يمكن البناء عليها في شرح وتحليل ما يجري،
• في البداية دعونا نؤكد نقطة مفصلية تنطلق منها كل الأحداث في إعتقادي وتتمثل في أن حكومة السودان عبر مخابراتها وأجهزتها السيادية نجحت في إقناع الآخرين بحقيقة مهمة جداً في هذه الحرب وهى”ضرورة تفكيك مليشيات الدعم السريع والقضاء عليها ” لأن أى احتمال لتقويتها أو تزويدها بأسلحة حديثة أو تشبيكها مع أى جهات لديها صراعات أخرى في الإقليم خاصة القرن الأفريقي سيخلق خللاً في النظام الإقليمي بأكمله مما سينعكس بدوره على الأمن القومي لدول كثيرة أهمها مصر والسعودية وارتريا.
• هذه الحقيقة التي قام السودان بتوضيحها للعالم مثلت محور الأحداث كما ذكرت لأن إعتبار المليشيا “ظاهرة شاذة” لا يمكن فهمها أو التعامل معها نسبة لعوامل كثيرة منها التركيية الداخلية القبلية المعقدة ووجود مليشيات صغيرة داخل المليشيا نفسها وصراعاتهم المختلفة ، إضافة لطبيعة الدعم الذي تتلقاه والمرتزقة الذين شكلوا بعداً دولياً في الصراع والآثار التي يمكن أن يفرزها هذا الوجود الأجنبي ،
• كل هذه التوضيحات جعلت عواصم كثيرة تشعر بذات التهديد الذي تشعر به الخرطوم لا سيما وأن الخطر لا يكمن في آل دقلو وشتاتهم ولكن في أبوظبي التي تدعمهم دعم غير مسبوق بداية من المرتزقة الذين يتم فضح الشركات التي تستجلبهم يوماً بعد يوم مروراً بأحدث المسيرات والأسلحة وصولاً للوجبات الفاخرة والسريعة.
• هاهي جوبا والتي ما فتئت تدعم المليشيا وقاداتها باستمرار منذ بداية الحرب رضوخاً للضغوطات الخارجية تجد نفسها اليوم أمام إختبار صعب للحفاظ على آخر موارد الدولة الجنوب سودانية، هذه الأموال التي يقبضها الجنوب نتيجة لبيع نفطه الذي يعبر خلال الأراضي السوداني تعتبر ٩٨% من ميزانية الحكومة في الجنوب وبفقدانها ينهار اقتصاده المتهالك في غضون شهور ،
• الصراع الذي حدث بين قوات الجيش الشعبي ومرتزقة الدعم السريع وراح ضحيته العشرات في حقل هجليج يثبت للعالم حقيقة أن هذه المليشيات لا يمكن إدارتها أو السيطرة على سلوكها الإجرامي ، حتى أبوظبي نفسها لا تستطيع التحكم فيها لذلك أى أحتمال في توسع نطاق سيطرتها يتضرر منه الإقليم بصورة مباشرة وهو ماظلت تنادي به حكومة السودان.
• إذن شعور هذه العواصم بالخطر جعل كفة الحكومة السودانية أكثر ترجيحاً في واشنطن ، فبالنظر للموقف الأمريكي نجد أنه مازال موقف متنازع عليه جداً من الأطراف الإقليمية حيث لم يظهر حتى الآن منتصر واضح في هذا الصراع ويمكن أن نعزي هذا بالنفوذ الكبير لأبوظبي على ترامب بجانب دعم اللوبي الصهيوني الأمريكي والبريطاني،
• وقد يرجع ايضا للديناميكية التي تدير بها امريكا ملف حرب السودان منذ بداية الحرب فهي تضع جميع الأطراف في مستوى واحد من الإتهام وهذا يفسر تلكوها في تصنيف الدعم السريع منظمة إرهابية لأنها لن تفعل ذلك إلا في حالة إدخال الجيش السوداني تحت مظلة نفس العقوبات أو أقل منها الأمر الذي يستبعده حلفاء أمريكا في المنطقة .
• من أجل هذا لا يمكننا التعويل على تصنيف المليشيا وحده ولكن يمكننا التعويل في مثل هذه المواقف على كثرة التواصل والضغط على الإدارة الأمريكية ، هذه الضغوطات المتزايدة من محور “الرياض القاهرة أنقرة” أفرزت مشاريع أمنية وعسكرية أكثر تماسكاً واتزاناً بين هذه العواصم والخرطوم.
• إذا لم يستطع محور الرياض الحد من نفوذ أبوظبي ووقف الدعم المتعاظم للمليشيا يمكنه على الأقل السماح للجيش السوداني بمجاراة سلاسل الإمداد والتسليح المتوجهة للمليشيا بصورة تسمح له بالتفوق عسكرياً عليها وهذا ما قد تُسفر عنه الأيام القادمة من خلال زيارة البرهان المتوقعة لتركيا وربما يصل الأمر لإبرام إتفاقيات عسكرية مع الحكومة التركية.
• أيضا منح القاهرة الضوء الأخضر للتدخل عسكرياً في السودان لم يكن ليتأتي إلا عبر بوابة الضغوط المتزايدة على إدارة ترامب، فالقاهرة بحسب واقعها الاقتصادي والعسكري الراهن لن تستطيع تقديم الكثير للسودان ولكن يمكنها تأمين الحدود السودانية الغربية مع ليبيا عبر التدخل المباشر بالطيران واستهداف أى دعم قادم للمليشيا من هذا الإتجاه وهو مافسره البيان الأخير للحكومة المصرية.
• مايؤكد أيضا هذا الإتجاه القوي لدعم الجيش السوداني هو كل مايحدث على جبهات القتال من تسارع مُطرد في الدعم اللوجيستي للمليشيا والهجمات المستمرة والزحف المتعجل لإحتلال “كادقلي” و “الدلنج” وبقية مدن وقرى كردفان ، وايضا محاولات تقوية مليشيات الحلو وجوزيف تكة استعدادا لفتح جبهات أخرى ومناطق إمداد وتسليح جديدة ، كل هذا الاستعجال إنما يقرأ في سياق الرد العسكري من أبوظبي على تحركات محور الرياض الذي يبدو أن مشاريعه الأمنية والعسكرية نضجت وحان وقت اقتطافها.
• أن أى سيناريو يدعم تسليح الجيش السوداني وتقوية طرق الإمداد والتشوين يصب في صالح خيار الحسم العسكري الذي ارتضاه الشعب السوداني وجيشه العظيم منذ صافرة البداية في هذه الحرب، لذلك فأن أى محاولات لتشتيت هذه الجهود عبر تأليب الرأي العام ضد قيادة البلاد والضرب على وتر الصراعات السياسية الداخلية ومحاولة إلصاق التهم للجيش وقيادته لن تصب إلا في صالح المليشيا واعوانها.
• لابد للشارع السوداني أن يعي أن الحرب في السودان أصبحت أكبر من صراع “كيزان قحاتة” أو “اسلاميين وقوى اشتراكية تقدمية ” الذي ظل يتصدر كافة الحقب السودانية السابقة ؛ هذه الحرب خرجت من إطارها الداخلي حتى اللاعبين المحليين عليهم أن يرتقوا في رؤيتهم للمشهد ويعرفوا كيف يمكنهم أن يلعبوا على المستوى الإقليمي والعالمي وليس المستوى المحلي ضيق الأفق،
• لذلك ماحدث في شوارع الخرطوم في ذكرى ثورة ديسمبر هو بعض إفرازات هذا التحول الكبير وأعتقد ليس لقيادة الجيش أى دخل فيه كما أتهمها البعض بل على العكس فإن ما حدث دليل كافي على أن الأطراف الإقليمية مازالت تحاول إدارة المشهد في الخفاء وتحاول عرقلة جهود الحكومة والجيش في إنهاء هذه الحرب والقضاء على التمرد عبر خيار الحسم العسكري الذي لا مفر منه.
• والأهم من ذلك على الشعب السوداني ألا يفقد ثقته في قيادة الجيش فهي نفس القيادة التي أخرجت السودان من أفواه الوحوش وحطمت أعمدة المؤامرة فوق روؤس أصحابها مما جعل أطراف كثيرة تثق في هذا الجيش وفي قيادته وهى دول لديها استخباراتها وأجهزتها الأمنية وتعلم تماماً أهمية ماقام به الجيش السوداني في تثبيت أركان الدولة السودانية.
• هذه الدول والعواصم رغم تداخل مصالحها وتقاطع علاقاتها إلا أنها إرتضت أن تتشارك الرؤى والأهداف تجاه الحرب في السودان وتتفق على ضرورة دعم الجيش السوداني الذي يمثل خط الدفاع الأول عن أمن واستقرار الإقليم.
اللهم برداً وسلاماً على السودان
مرام البشير ٢٢ ديسمبر ٢٠٢٥م.
