مرام البشير تكتب : خطة التهجير …الأجندة الخفية
مارس/20 | م:8:36 / لا توجد تعليقات 47 views.الخرطوم: بلادي
يؤمن بعض القادة والمفكرين الغربيين بنظريات التلاعب بالعقول وهي نظريات آتت أُكلها في كثير من القضايا الدولية والإقليمية ومن أبرزها نظرية “الطلب الزائد” أو “نظرية الطلب العالي” فهى نظرية تقترح أن يطلب الشخص أكثر مما يريد في المفاوضات حتى يكون لديه فرصة أكبر في الحصول على ما يريد ، أُستخدمت هذه النظرية مراراً وتكراراً في كثير من الحروب والأزمات الدولية حتى اصبحت مكشوفة لكثير من مُحللى السياسة وصناع القرار ولكن مؤخراً اصبحت الطلبات التي تطلب وفقاً لهذه النظرية تغلف بدراما تراجيدية لكى توحِي بحجم المأساة وإنعدام الحلول وتكون كفيلة بإدخال الرأى العام في دوامة الصدمة وقتاً من الزمان لا يلتقط أنفاسه حتى يفكر في اعطاءهم مايريدون مقابل التخلص من هذه الطلبات الباهظة.
تظهر هذه النظرية بوضوح في سلوك الإدارة الأمريكية الجديدة التي تنتهج نهج الابتزاز السياسي والطلبات المستفزة مُنذ تولي الرئيس الأمريكي ترامب الحكم حيث تعامل مع الدول كأنها شركات تحت إمرته ويجب عليها دفع فروض الطاعة لكي تستطيع العيش في هذا العالم بسلام أو بالمقابل الحصول على مايريده منها إذا عجزت هذه الدول عن تحقيق طلباته ، فكان طلب تهجير سكان قطاع غزة من أرضهم أولى هذه الطلبات الغريبة مما شكل صدمة للرأى العام العربي والإقليمي وذلك بعد الهدنة التي أوقفت الحرب المستمرة على قطاع غزة مُنذ أُكتوبر من العام ٢٠٢٣م .
بدأت مسرحية الرئيس الأمريكي تجاه سكان غزة مباشرة بعد خمس أيام فقط من توليه للسلطة حيث أطلق تصريحات إعلامية بخصوص القطاع صدم بها الجمهور الأمريكي والرأي العام العربي والإقليمي وذلك عندما طلب طلبات غير واقعية وخارجة عن المألوف، فكانت المفاجأة في طلبه “تهجير سكان غزة من أرضهم إلى دول أخرى وتصفية القضية الفلسطينية ” مما أثار غبن وسخط الجميع .
عُرضت خطة التهجير على قائمة من الدول بداية بمصر والأردن مروراً بالسعودية ووصولاً للصومال ،السودان وصومالى لاند،
وعلى الرغم من إن فكرة تهجير الفلسطينيين لم تكن جديدة على الإطلاق فهي فكرة قديمة منذ العام ١٩٦٧م ونتج عنها خطط ومشاريع كثيرة استهدفت القطاع كان أخرها إستخداماً خطة الجنرالات التي قسمت قطاع غزة في الحرب الأخيرة لمربعات كل مربع تحت قيادة جنرال من جنرالات الجيش الإسرائيلي مهمتهم الأساسية أن يصبح قطاع غزة مكان غير قابل للحياة لكي تسهل عملية تهجير سكانه ، وبالفعل تم حصر سكان القطاع في جنوب غزة مع الحدود المصرية بفعل القصف الصاروخي والمدفعي وتحت وطأة حصار عنيف وظروف بالغة الخطورة وذلك من أجل إستعمالهم كورقة للضغط على مصر من أجل فتح حدودها وإدخال الفلسطينيين وبالتالي تنفيذ خطة التهجير بسلاح الحرب ، إلا أن هذا السلاح لم ينجح في تهجير سكان غزة ولم تستطع إسرائيل القضاء على المقاومة في قطاع غزة فلجأت للمطور العقاري دونالد ترامب وساعدته للوصول للحكم مقابل تنفيذ خطة التهجير .
وعلى الرغم من كل هذه الخطط والحروب التى نُفذت في قطاع غزة إلا أن طريقة ترامب في عرض خطة التهجير للعلن هذه المرة كانت فجّة ومُثيرة وهو ماجعل كل الحكومات العربية خاصة مصر تبحث جاهدة للخروج من هذه الأزمة لاسيما وأن سيناء المصرية كانت المستهدف الأول في خطة التهجير ، بالإضافة لما تعانيه مصر من ضغوط إقتصادية وسياسية تجعلها غير قادرة على خوض غِمار جبهات جديدة وغير متوقعة في ظل جوار عربي وأفريقي مُشتعل بالأزمات الأمنية والعسكرية.
وتماشياً مع نفس الخطة استمر ترامب بالتهديد في حالة عدم الإستجابة لطلباته ومارست إدارته ضغوطاً اقتصادية ودولية على دول كمصر والأردن والسعودية، هذا الاستمرار في التهديد صحبه عمل إستخباري مكثف داخل الغرف المظلمة مُررت من خلاله الأجندة والأهداف الخفية كحلول للخروج من الأزمة ، وعُرضت هذه الأجندة على القيادة السياسية للدول العربية عبر أجهزة إستخباراتها بإعتبارها حلول معقولة ومن هنا بدأت المرحلة الثالثة وهي إبتلاع الطعم .
في هذه المرحلة دخل الرأى العام العالمي والعربي في دوامة من النفي والإنكار لفترة طويلة من الزمن جعلته كالغريق الذي يبحث عن قشة لإنقاذه من قرارات ترامب ولكن الإدارات العربية والمصرية بالتحديد لم تبتلع الطعم وتم رفض مقترح التهجير جملة وتفصيلا ً بالمقابل تم البحث عن حلول ومقترحات حقيقية للأزمة وعُرض المقترح المصري على كافة الدول والسفارات العربية والأجنبية مما جعله مقبول ومعقول لدي كثير من الدول .
وفي ذات الوقت رفضت الحكومات العربية الأجندة الخفية التي مُررت إستخبارتياً وكان من بينها الهدف المنشود الذي تسعي اسرائيل لتحقيقه منذ فترة طويلة، هذا الهدف الذي قامت الدنيا في الشرق الأوسط بسببه ولم تقعد تمثل في “القضاء على المقاومة الفلسطينية نهائياً في قطاع غزة ونزع سلاحها مع إسناد إدارة القطاع للسلطة الفلسطينية لإدارته بالكامل” ، هذا الهدف الذي كان يعتقد ترامب أن الدول العربية ستنفذه لأنها تبحث عن ما ينقذها من خطة التهجير ، اصبح بعيد المنال أيضاً وفقاً لما جاء في المقترح المصري الذي تمت بلورته في قمة فلسطين التي أُقيمت في القاهرة مطلع مارس الجاري ، حيث ذكرت بنود وثيقة المقترح أن قطاع غزة ستديره لجنة مشتركة من تكنوقراط فلسطينيين تشرف عليهم السلطة الفلسطينية وتعهد الرئيس الفلسطيني محمود عباس بقبول المقترح وإقامة انتخابات حرة في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة وهو مالا تريده إسرائيل على الإطلاق.
من جانب آخر فإن بنود الوثيقة ذكرت أن قضية نزع السلاح من فصائل المقاومة الفلسطينية هو أمر صعب ولا يمكن تنفيذه مالم تعالج مسببات حمل السلاح أى معالجة قضية الإحتلال من جذورها وضمان وجود دولة فلسطينيية يعيش فيها الفلسطينيون بحرية وكرامة دون التعرض للقتل أو السجن أو إغتصاب أرضهم بالقوة وطردهم منها.
بعد تعنت كبير من الجانب المصري وتمسكه بمقترحاته التي طرحها للحل انتصرت الدبلوماسية المصرية الرسمية والشعبية وتراجع الرئيس الأمريكي عن تهجير سكان غزة لسيناء المصرية ولكنه بالمقابل عاقب الجيش المصري بخفض المعونة الأمريكية لمصر وذلك بحسب مصادر لجريدة العربي القطرية.
لم يهدأ للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بال حتى عرض خطة التهجير مرة اخرى على دول أخرى منها السودان مقابل وقف إمداد المليشيا المتمردة وإنهاء الحرب ولكن وفقاً لتسريبات لصحف أمريكية على لسان مصادر في الحكومة السودانية ذكرت أن السودان رفض هذا العرض رفضاً باتاً لاسيما في ظل إنتصارات الجيش السوداني المستمرة على كافة الأصعدة وقُرب سيطرته التامة على العاصمة الخرطوم ، مما يجعل الحكومة السودانية تعيش أوضاعاً أفضل بكثير تجعلها ترفض طلبات على شاكلة طلبات ترامب.
ثم انتقل العرض مرة اخرى للصومال والتي ذكرت التسريبات أنها لم تتلقى هذا العرض من الأساس.
وصل أخيراً دونالد ترامب إلى أرض الصومال أو صومالي لاند وعرض خطة التهجير عليها مقابل الإعتراف الدولي والأمريكي باستقلالها عن جمهورية الصومال الفدرالية وهنا يمكننا القول أن هذا العرض قد يجد آذان صاغية من أرض الصومال وفقاً لمؤشرات كثيرة ومعقدة أبرزها الصراع الجيوسياسي على أرض الصومال التي تتمتع بموقع جغرافي إستراتيجي مهم ، وتشكل مساحة نُفوذ لدول من داخل وخارج القرن الأفريقي كإثيوبيا ،الصومال، مصر ،إسرائيل ،تركيا والإمارات وغيرها لإحتوائها على مؤاني بحرية أهمها ميناء بربره ذو الأهمية الإستراتيجية الكبيرة والذي يُطِل على مضيق باب المندب الممر المائي ذو الأهمية البالغة في التجارة البحرية.
أخيراً وبعد كل هذه السلسلة من الخطط والحِيل المَدرُوسة والتى إعتمدت على نظريات التلاعب بالعقول وعلى نظرية الطلب الزائد الأمريكية المعتمدة على سياسة إبتزاز الدول وتركيعها مقابل تحقيق مآرب ومكاسب سياسية تبقي الأسئلة المصيرية قائمة، أَمَا آن للحكومات العربية والإسلامية أن تتحد وتصبح يداً واحدة ضد هذا الإبتزاز الصهيوأمريكى الرخيص الذي يلعب بحياة الشعوب ومُقدرات الدول ؟؟ أَمَا آن للأمة الإسلامية أن تستأصل هذا الكيان المغتصب من أرض فلسطين ليعود المسجد الأقصى قبلةً ثانية للمسلمين؟؟أَمَا آن …. ؟؟
