مرام البشير تكتب : دلالات النفوذ التركي في تشاد وتأثيره على العلاقات السودانية التشادية
أبريل/06 | م:2:49 / لا توجد تعليقات / الوسوم: ولاية البحر الأحمر125 viewsبورتسودان: بلادي
خلفية التوسع التركي في افريقيا والشرق الاوسط مما لا شك فيه أن سقوط نظام الأسد في سوريا ديسمبر ٢٠٢٤م كان من أبرز عوامل تغيير ميزان القوى الإقليمية في الشرق الأوسط ،فقد كان هذا التغيير بمثابة منفذاً إستراتيجياً عززت فيه تركيا دورها الحيوي في الملفات الأمنية والعسكرية في تلك المنطقة ؛ لاسيما أنها أحكمت سيطرتها على مناطق واسعة في شمال سوريا مما أثار قلق إسرائيل فقامت بشن ضربات على مناطق إستراتيجية في سوريا لتعطيل هذا النفوذ التركي .
تزامن وجود تركيا في الشرق الأوسط مع تحركاتها النشطة نحو تعزيز دورها كقوة مؤثرة في القارة الإفريقية وتوسيع نطاق نفوذها في الساحل الإفريقي وتحديداً في تشاد، حيث
يعود تاريخ العلاقات بين تشاد وتركيا إلى حقبة الإمبراطورية العثمانية والممالك الإسلامية التي قامت في تشاد في عصر ما قبل الاستعمار ، ثم نشطت العلاقات بعد عام ١٩٦٠م حينما حصلت تشاد على استقلالها من فرنسا وبدأت في بناء علاقاتها الدبلوماسية مع الدول الأخرى ، إلى أن تطور التعاون الاقتصادي بينهما في السبعينيات خاصة في مجال التجارة والإستثمار واستمر حتى وصل حجم التبادل التجاري بين تركيا وتشاد إلى (١١٢) مليون دولار في ٢٠٢٣م، بعد ما كان بين (٤٠ إلى ٥٠) مليون دولار في السنوات الخمس الماضية.
**تراجع النفوذ الفرنسي في تشاد
ظلت تشاد حليفاً مهماً للقوات الفرنسية لأكثر من ستة عقود في عملياتها لمكافحة الإرهاب في منطقة الساحل، ولكن في نوفمبر ٢٠٢٤م
أعلنت نجامينا أنها ستنهي إتفاقية الدفاع مع فرنسا وأمرت بإنسحاب جميع العسكريين الفرنسيين خلال شهرين . فقد كان هناك حوالي (١٠٠٠) جندي فرنسي متمركزين في ثلاث قواعد في تشاد؛ “نجامينا”، و”فايا لارجو”، و”أبيشي”. وفي ديسمبر ٢٠٢٤م سلمت القوات الفرنسية المتمركزة في تشاد القاعدة العسكرية في “فايا لارجو” المدينة الرئيسية في شمال تشاد تلتها قاعدة “أبيشي” العسكرية في يناير ٢٠٢٥م للجيش التشادي.
وبالتأكيد فإن تراجع العلاقات الفرنسية التشادية لم يكن وليد الصدفة فهو نتاج طبيعي لتراجع دور باريس على دول غرب أفريقيا بصفة عامة وخروجها من تحالف دول الساحل مما جعل تركيا تبرز كلاعب إقليمي مؤثر في صياغة المشهد الجيوسياسي ، حيث فرضت وجودها في تشاد من خلال إستغلال فرصة إنسحاب القوات الفرنسية من قاعدة “أبيشي” العسكرية لترسيخ وجودها العسكري في تلك المنطقة الاستراتيجية.
**دلالات إزدياد التواجد التركي في تشاد
على الرغم من أن بعض التسريبات الصحفية الغربية ذكرت أن خطة الإنسحاب الفرنسي بالكامل من تشاد لم تكن مطروحة وكان من المفترض تقليص عدد القوات الفرنسية المتواجدة في تشاد من (١٠٠٠) إلى (٣٠٠) جندي إلا أن تشاد طلبت من فرنسا إنسحاب قواتها بالكامل ، وفي منتصف يناير ٢٠٢٥م كانت المفاجأة حيث تم التوصل لإتفاق رسمي بين تركيا وتشاد مُنحت بموجبه تركيا قاعدة “أبيشي” العسكرية في شرق تشاد ، وذكرت المصادر الصحفية أن هذا الإتفاق رأي النور بعد مفاوضات مكثفة بين سفير تركيا في نجامينا ومسؤولين تشاديين.
وعلى ضوء تطور العلاقات العسكرية بين تركيا وتشاد نشرت تركيا طائرات بدون طيار بالقرب من قاعدة “فايا لارجو” الواقعة بالقرب من الحدود الشمالية لتشاد مع ليبيا كما تم نشر مستشارين عسكريين أتراك في هذا الموقع الإستراتيجي لمساعدة القوات التشادية ، وأيضاً تلقت تشاد مجموعة متنوعة من المعدات العسكرية من تركيا في السنوات الأخيرة، فقد تلقت “٢٠” ناقلة جنود مدرعة من طراز “أجدر يالتشين” المتطورة المضادة للألغام والهجمات البالستية في عام ٢٠١٨م ، و “٣٠” مركبة مدرعة من طراز Nurol Makina NMS في عام ٢٠٢١م.
كما تلقت في ٢٠٢٣م ثلاث طائرات تدريب هجوم خفيف من طراز Hurkus-C وطائرتين بدون طيار من طراز Anka من شركة TAI. وفي عام ٢٠٢٤م سلمت تركيا طائرات بدون طيار قتالية من طراز Aksungur إلى تشاد ، توصف Aksungur بأنها قادرة على تنفيذ مهام الإستخبارات والمراقبة والإستطلاع.
كل ذلك صاحبه تطوراً سياسياً بين البلدين ظهر من خلال التصريحات الرسمية المتبادلة بين البلدين، فقد أكد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خلال زيارة الوفد التشادي رفيع المستوى برئاسة محمد ديبي لتركيا في أكتوبر ٢٠٢١م على تقديم جميع أنواع الدعم لتشاد كما أعلن عن استعداد تركيا لتطوير تعاونهما في المجالات العسكرية والدفاعية والأمنية، وتوجت هذه الزيارة بالتوقيع على إتفاقية التعاون العسكري بين البلدين التي تضمنت تبادل المعلومات الاستخباراتية والعمليات المشتركة والتدريب واللوجستيات.
**الأدوار الاستراتيجية لتركيا في المنطقة
وفقاً لما سبق يمكننا القول أن العلاقات التشادية التركية في أفضل حالاتها وذلك لإعتبارات كثيرة تخص البلدين ولكن ما يهمنا هنا هو سؤال مهم هل تستطيع تركيا بعد كل هذا الثقل الإستراتيجي لعب دور إيجابي بين السودان وتشاد لاسيما في ظل التوترات المتصاعدة بين البلدين؟
يمكننا توضيح الإجابة على هذا السؤال من خلال عاملين:
أولاً: إن تطور العلاقات التركية السودانية في الآونة الأخيرة قد يعتبر مدخلاً جيداً لتركيا لكي تلعب هذا الدور الحيوي خاصة وأنها بادرت مُنذ بداية الحرب للقيام بأدوار سياسية مهمة كان أخرها المبادرة التركية لإنهاء الحرب في السودان في يناير ٢٠٢٥م، والتي حاولت فيها تركيا التوسط بين السودان والإمارات لحلحلة القضايا العالقة بينهما ومن المرجح أنها لم تر النور وفقاً لموقف السودان المبدئ والواضح من دولة الإمارات، ولكن خلاف السودان مع الإمارات يختلف من خلافه مع تشاد ؛ ويمكن أن تساهم تركيا في تحييد الدور التشادي السالب تجاه السودان.
على صعيد آخر قد يشوب هذا الدور بعض التقاطعات في علاقاتنا الخارجية خاصة علاقتنا مع الشقيقة مصر والتي تعتبرها تركيا غريم إقليمي لها في المنطقة ولكن هذا لا يمنع تركيا من المضي قدماً في تحقيق استراتيجيتها الأوسع في شمال شرق وغرب إفريقيا، حيث أمضت تركيا العقد الماضي في تشجيع الاستثمار والتجارة مع السودان وإثيوبيا، وقدم الجيش التركي دعماً كبيراً للصومال وليبيا في محاولة لتحقيق الاستقرار فيهما . كل هذا قد يمنحها ميزة استراتيجية قوية لتأمين نفوذها في القارة الأفريقية ويشجعها على المساهمة في خلق أرضية مشتركة لجمع الحكومة السودانية والتشادية تعتمد على كبح جماح الدعم التشادي للمليشيا مما يفضي إلى استقرار نسبي في مناطق الحرب خاصة دارفور التي قد يسيطر عليها الجيش السوداني في مقبل الأيام وبالتأكيد سيقوم بطرد المليشيا من كافة أراضيها الأمر الذي يجعل تشاد مُلزمة بعقد تفاهمات مع الحكومة السودانية .
ثانياً : إن المتابع للمشهد التشادي وردود الأفعال السياسية للحكومة التشادية خلال حرب السودان يجد أن تشاد تم دفعها دفعاً من أجل المساهمة كداعم لوجستي لمليشيا الدعم السريع وذلك تمثل في المصالح الضيقة لبعض رجالات الدولة بتشاد من جهة والأواصر الإجتماعية بين بعض القبائل التشادية وقيادات المليشيا من جهة أخرى ، لذلك يمكننا أن نتخيل الكم الهائل من الضغوطات الإماراتية والإسرائيلية التي مُورست على الحكومة التشادية والتى إعتبرها كثير من المحللين حكومة متواضعة الخبرات السياسية لاسيما وأنها كانت تراهن على إستيلاء المليشيا على السلطة في السودان وهذا رهان قصير النظر وغير عقلاني بحكم كثير من العوامل لايسعنا الوقت لسردها ،
هذا الإرتباط الكبير بلوبي الدعم السريع داخل تشاد جلب لها حالة من عدم الاستقرار السياسي والأمني على قرار كل الدول التي شاركت في دعم المليشيا فقضية اللاجئين ،تململ بعض قيادات الجيش التشادي وتنامي الحركات المتمردة على النظام التشادي ، بجانب الأوضاع الأمنية المتدهورة في إنجمينا بسبب الهجمات الإرهابية كل ذلك قد يساهم في حدوث تغيير سياسي على رأس الحكومة التشادية على قرار ماحدث في ٢٠٢١م عندما أخترقت مجموعة جبهة التغيير والوفاق في تشاد (فاكت) التى تتمركز في مناطق سيطرة خليفة حفتر في ليبيا ،الحدود التشادية منخرطة في معارك أدت إلى مقتل الرئيس السابق إدريس ديبي ، وهذا بالتأكيد ما لا تريده تركيا خاصة أن هذه الحكومة بقيادة محمد ديبي هي المسؤولة عن تطوير العلاقات بين تركيا وتشاد. لذلك من المرجح أن تساهم تركيا في تهدئة الأوضاع بين السودان وتشاد إذا ما طُلب منها ذلك على أمل المحافظة على نفوذها داخل الحكومة التشادية .
واخيراً يمكننا القول إن المنطقة الأفريقية عموماً والساحل الأفريقي على وجه الخصوص يشهدان دوراً تركياً متنامياً، في وقت يلاحظ فيه تراجع النفوذ الغربي ، لذلك من المرجح أن يمنح التقارب المتزايد بين تشاد وتركيا فيما يتعلق بتعزيز التعاون العسكري السودان وتشاد فرصة ثانية لإعادة النظر في علاقاتهما خاصة إذا ما تمت قراءة المشهد الإقليمي بصورة دقيقة وحكيمة من قبل الحكومة التشادية ، وقد تساهم هذه الخطوة أيضاً في معرفة ما إذا كان النموذج التركي فعالاً بالمقارنة بالنموذج الفرنسي في مواجهة التحديات الأمنية التي تواجهها المنطقة، وهو ما يتطلب متابعة التحركات التركية وتقييمها خلال الفترة القادمة.
